«سونترال صغيرة» و«منصة في البحر»: كيف تحوّلت محولات كهربائية روتينية إلى «معجزة» إذاعية؟

في خضم موجة الغضب الشعبي من انقطاعات التيار الكهربائي المتكررة خلال قيظ صيف 2026، أطلّ الإعلامي نوفل الورتاني عبر إذاعة “موزاييك إف إم” (28 جويلية 2026) بخبر وصفه بـ”الحصري”، متحدثاً بحماس عن وصول معدات طاقية “عاجلة” اعتبرها حلاً شبه فورياً لأزمة الكهرباء.

في أقل من ست دقائق (من الدقيقة 19:10 إلى حوالي الدقيقة 26 من التسجيل)، قدّم الورتاني حوالي 10 ادّعاءات مضللة أو غير دقيقة، أي بمعدل ادّعاء واحد كل 35 ثانية تقريباً. غير أن التدقيق الذي أجرته “فالصو”، بالاستناد إلى بلاغ مجلس الإقليم الثاني، وتسجيل المداخلة الإذاعية، ووثائق مشروع الربط الكهربائي التونسي الإيطالي «ELMED»، والتقارير المالية الرسمية والصحفية حول وضعية الستاغ، يكشف أن جزءاً كبيراً مما ورد في هذا التدخل الإذاعي يقوم على خلط تقني بين مفاهيم أساسية في هندسة الشبكات الكهربائية، وعلى تحوير لجدول زمني لمشروع استراتيجي بدأ التخطيط له منذ سنوات، لا علاقة مباشرة له بأزمة الانقطاعات الحالية.

السياق

تشهد تونس منذ منتصف جويلية 2026 موجة حر استثنائية رافقتها انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي، ما أثار استياءً واسعاً بين المواطنين وتساؤلات حول جاهزية الشبكة الوطنية لمواجهة ذروة الاستهلاك الصيفي. في هذا السياق المشحون، نشر “مجلس الإقليم الثاني” (الهيكل الجهوي الذي يغطي محافظات تونس الكبرى وناحية الوطن القبلي وزغوان) بلاغاً على صفحته الرسمية بفيسبوك، أعلن فيه عن إجراءات لدعم استقرار الشبكة الكهربائية، من بينها دخول محول كهربائي بقدرة 360 ميغافولت أمبير حيز الاستغلال بمحطة المرناقية أواخر أوت، ومحول ثانٍ بقدرة 400 ميغافولت أمبير قادم من الصين، إضافة إلى الإشارة إلى “منصة مركزية للكهرباء في البحر” منتظر إنجازها أواخر سنة 2026.

تحدّث نوفل الورتاني ظهراً يوم 28 جويلية 2026 عن وصول معدات ومحولات و”منصة بحرية”، في وقت لم يكن بلاغ مجلس الإقليم الثاني قد نُشر بعد (صدر في المساء حوالي الساعة 20:30). وقدّم في مداخلته تفاصيل ومعطيات لم ترد في النص الرسمي لاحقاً، مع قراءة تحمل عدداً من المغالطات التقنية والزمنية، ساهمت -بحسب رصد فريق التحرير- في انتشار تأويلات وتسجيلات مجتزأة على فيسبوك وتيك توك

المصدر المعتمد: تسجيل مداخلة موزاييك إف إم، برنامج “ميدي ماغ”، 28 جويلية 2026 (النص المفرغ مطابق 100% للكلام المنطوق – إعداد فريق فالصو)

الادعاء الحرفي (نوفل الورتاني، موزاييك إف إم، برنامج “ميدي ماغ”، 28 جويلية 2026):
“عدنا زوز بوست موبيل postes mobiles جايين. اللي شفتوه جاي من المانيا. وفما واحد اخر جاي من الصين، دونك هو سونترال صغيرة اللي جا البارح 360 puissance متاعه.”

الحكم: مضلل (Trompeur)

منهجية التحقق:
راجع فريق فالصو استخدام مصطلح “بوست موبيل” في سياق تشغيلي رسمي وحقيقي عبر التقرير السنوي للستاغ لسنة 2020، والذي يذكر صراحة عملية نقل “poste mobile” بين محطتين تونسيتين – ما يثبت أن هذا المصطلح متداول رسميًا لدى الستاغ نفسها. كما اعتمد الفريق على المعجم اللغوي التقني الرسمي (OQLF) للتمييز الدقيق بين فئتين مختلفتين جوهريًا:

  • محطة الإنتاج (Centrale Électrique): منشأة صناعية تحوّل مصدر طاقة أولي (غاز طبيعي، شمس، رياح) إلى طاقة كهربائية فعلية، وتضيف “ميغاواط” جديدة لإجمالي المعروض الوطني من الكهرباء.
  • محطة التحويل المتنقلة (Poste Mobile de Transformation): منشأة شبكية فرعية غير منتِجة، تُركّب مؤقتًا فوق مقطورات لتسهيل نقلها، ولا تحتوي على أي توربينات أو محركات توليد؛ بل تضم محولات (Transformers) وظيفتها الوحيدة استقبال تيار مُنتَج مسبقًا وتعديل جهده لتأمين مروره بأمان عبر خطوط النقل الوطنية، خاصة في ذروة الاستهلاك الصيفي حيث تتعرض الشبكة لضغط إضافي بفعل الحرارة.

ماذا يعني هذا عمليًا؟
بناءً على هذا التصنيف، فإن سعة الإنتاج الفعلية لهذه المعدات المتنقلة هي صفر ميغاواط – فهي لا تولّد أي كهرباء إضافية، بل فقط تُسهّل نقل الكهرباء المُنتَجة أصلاً من محطات أخرى. إطلاق تسمية “سونترال صغيرة” عليها يمنح المستمع انطباعًا خاطئًا مفاده أن الدولة رفعت حجم القدرة الإنتاجية الإجمالية للبلاد في ذروة الأزمة، بينما الواقع أن حجم المعروض الكلي من الكهرباء لم يتغير قيد أنملة، وأن مشكلة العجز الهيكلي المرتبطة بنقص التوليد وشح الوقود تبقى قائمة دون حل جذري.

المصادر المعتمدة:

الادعاء الثاني: الخلط بين الجهد الكهربائي (kV) والقدرة الظاهرية (MVA)

الادعاء الحرفي (نوفل الورتاني، موزاييك إف إم، برنامج “ميدي ماغ”، 28 جويلية 2026):
“…دونك هو سونترال صغيره اللي جا البارح 360 puissance متاعه, بش يركب في سنترال المرناڤية… 360 كيلو فولت. وجاي واحد من الصين محول اخر جاي توا في البطو 400 كيلو فولت.”

الحكم: مضلل تقنيًا (Erreur technique / Trompeur)

منهجية التحقق:
بالعودة إلى نص بلاغ “مجلس الإقليم الثاني” الرسمي، فإن الأرقام الواردة فيه هي 360 ميغافولت أمبير (MVA) و400 ميغافولت أمبير (MVA) – وليس “كيلو فولت” كما ذكر الورتاني مرتين في مداخلته. للتأكد من طبيعة هذا الخطأ وحجمه، تحقق فريق فالصو من التعريف الفيزيائي الدقيق لكل وحدة:

  • الكيلو فولت (kV): وحدة قياس الجهد/التوتر الكهربائي (Tension) – تعبّر عن “ضغط” التيار داخل الأسلاك، وهي ما يحدد قدرة الشبكة على نقل الكهرباء لمسافات طويلة دون فقدان كبير للطاقة.
  • الميغافولت أمبير (MVA): وحدة قياس القدرة الظاهرية (Puissance apparente) – تعبّر عن السعة الإجمالية التي يستطيع المحول تصريفها وتحمّلها من تدفق الطاقة دون أن يحترق أو يتعطل.

هاتان الوحدتان تقيسان مفهومين فيزيائيين مختلفين تمامًا، ولا يمكن استبدال إحداهما بالأخرى – تمامًا كما لا يمكن قياس وزن شاحنة بوحدة الكيلومتر بدلاً من الطن. 

ماذا يعني هذا عمليًا؟
هذا الخلط ليس مجرد “زلة لسان” عابرة، فتكراره مرتين في المداخلة، ولترقيم محولين مختلفين، يعني أن المتحدث تعامل مع الرقمين (360 و400) دون فهم دلالتهما الفنية الصحيحة كوحدتي قدرة (MVA) وليس جهد (kV)، ما أدى إلى بثّ معلومة مشوّهة فيزيائيًا لجمهور واسع، وساهم في تعميق اللبس الذي انتشر لاحقًا على فيسبوك وتيكتوك حول طبيعة المشروع وحجمه الفعلي. 

يُذكر أن التمييز بين وحدتي الجهد الكهربائي (kV) والقدرة الظاهرية (MVA) هو من الأساسيات المُدرَّسة في السنوات الأولى من الهندسة الكهربائية، ولا يحتاج عادة إلى مصدر خارجي للتحقق منه. 

المصادر المعتمدة:

الادعاء الثالث: زعم أن محطة المرناقية كانت “واقفة” وتعرضت لـ”سكتة وعطل كامل”

الادعاء الحرفي (نوفل الورتاني، موزاييك إف إم، برنامج “ميدي ماغ”، 28 جويلية 2026):
“مع العلم سنترال المرناڤية راو واقف. تاو بش يرجع للحياة… والمرناقية اللي طايحة panne باش تبدأ تخدم من هنا لآخر اوت.”

الحكم: مضلل (Trompeur) – تهويل يناقض الواقع الفني للمنشأة

منهجية التحقق:
تحقق فريق فالصو من الحالة التشغيلية الفعلية لمحطة المرناقية عبر مصادر متعددة ومستقلة عن الطرفين (الورتاني والبلاغ):

  • محطة المرناقية (المركّب الغازي، توربينات Ansaldo Energia طراز AE94.3A) دخلت الخدمة الفعلية في 13 جوان 2019، وبلغت طاقتها الإنتاجية الكاملة 625 ميغاواط قبيل صيف 2020 (رغم تأخيرات مرتبطة بجائحة كوفيد-19).
  • لا توجد مصادر رسمية عامة ومستقلة (من الستاغ أو وزارة الصناعة والمناجم والطاقة) تؤكد توقفاً كاملاً لإنتاج المحطة أو “عطل عام” (Panne générale) خلال الفترة التي سبقت مداخلة الورتاني.
  • في تصريح صحفي لرئيس الحكومة (منتصف جويلية 2026 تقريبًا)، ورد ذكر محطة المرناقية (برج العامري) كمنشأة قائمة تساهم بـ624 ميغاواط، أي ما يعادل تقريبًا 11% من الطاقة الكهربائية المتوفرة حاليًا في البلاد – وهي صياغة تصف المحطة كمساهم فعلي في الإنتاج الوطني الحالي، لا كمنشأة متوقفة يُنتظر “إحياؤها”.
  • من الناحية الفنية البحتة، وبما أن محطة المرناقية تمثل نحو 11% من إجمالي الطاقة الكهربائية المتوفرة وطنيًا، فإن توقفها الكامل كان سيعني فقدان جزء كبير جدًا من المعروض الوطني للكهرباء دفعة واحدة – وهو ما كان سيستدعي، منطقيًا، إجراءات استثنائية معلنة (كقطع أوسع نطاقًا أو بيانات طوارئ من الستاغ) تفوق ما شهدته البلاد فعليًا من انقطاعات دورية معتادة في ذروة الاستهلاك الصيفي. غياب مؤشرات على أزمة بهذا الحجم يدعم الفرضية القائلة بأن ما جرى في المرناقية هو على الأرجح عملية تحديث/صيانة لمعدات النقل والتصريف داخل المحطة (كما أوضحنا سابقًا)، وليس توقفًا كليًا للإنتاج.

ماذا يعني هذا عمليًا؟

وصف المحطة بأنها “واقفة” و”طايحة panne” يحوّل ما يبدو أنه عملية تحديث فني روتيني لمعدات النقل (تركيب محول جديد) إلى سيناريو “إنقاذ” درامي لمحطة متوقفة بالكامل – وهو وصف غير مسنود بأي مصدر مستقل، ويتناقض مع الإشارات الرسمية الحديثة التي تصف المحطة كمنشأة منتجة وقائمة.

المصادر المعتمدة:

الادعاء الرابع: مغالطة السبب الزائف – ربط وصول المعدات بـ”الأزمة الحالية”

الادعاء الحرفي (نوفل الورتاني، موزاييك إف إم، 28 جويلية 2026):
“وهذوما التحركات بداوا بعد الأزمة… اخر اوت سنترال المرناڤية يكون بدى يخدم… والسنترال centrale الثانية 400 كيلو فولت تكون وصلت.”

الحكم: مضلل (Trompeur) – مغالطة “السبب الزائف” (Post Hoc Ergo Propter Hoc)

منهجية التحقق:
تحقق فريق فالصو من الطابع الزمني العام لمشروع “الربط الكهربائي تونس-إيطاليا” (ELMED)، الذي يندرج ضمنه تعزيز الشبكة الداخلية المرتبط بمنطقة المرناقية:

  • مناقصة محطتي التحويل الأساسيتين للمشروع (المعلابي في تونس، بارتانا في صقلية) نُشرت منذ سنة 2023 بشكل مشترك من طرف الستاغ ونظيرتها الإيطالية Terna في الجريدة الرسمية للاتحاد الأوروبي.
  • أُرسيت الصفقة النهائية (770 مليون أورو) على تحالف Hitachi Energy في يونيو 2026 فقط – أي بعد ثلاث سنوات من إجراءات تقييم وتفاوض دولية معقدة.
  • تاريخ الإنجاز الكلي المعلن للمشروع بأكمله هو أواخر 2028.
  • تعزيز الشبكة الداخلية التونسية المرتبط بهذا المشروع (بما في ذلك خطوط النقل الرابطة بين قرمبالية 2 والمرناقية) مُدرج ضمن نفس المخطط طويل المدى، لا كإجراء منفصل ومفاجئ.

ماذا يعني هذا عمليًا؟
معدات الطاقة الثقيلة كمحطات التحويل والمحولات العملاقة تُصنَّع حسب الطلب (Made to Order) ولا تُشترى كبضائع جاهزة من السوق؛ فهي تمر بمراحل تصميم هندسي وتصنيع واختبارات قبول فنية صارمة قبل شحنها، وهو ما يفسر امتداد مسار مشروع ELMED وحده لثلاث سنوات بين نشر المناقصة وإرساء الصفقة فقط – دون احتساب التصنيع والتركيب. هذا يُظهر أن منظومة تعزيز الشبكة الوطنية، التي تندرج ضمنها أشغال المرناقية، هي مسار استثماري طويل الأمد يعود لسنوات قبل أزمة انقطاعات صيف 2026، وليس استجابة فورية نشأت بسببها. ربط وصول أي معدات بـ”الأزمة الحالية” كما فعل الخطاب الإذاعي يتجاهل هذا الواقع الصناعي واللوجستي، ويمنح المستمع انطباعًا خاطئًا بأن الدولة “تحركت” فجأة استجابة لغضب المواطنين.

تنويه بخصوص حدود هذا الاستنتاج: هذا التحليل يفنّد فكرة “الاستجابة العاجلة” على المستوى العام لمسار تعزيز الشبكة المرتبط بـELMED، لكنه لا يثبت بشكل قاطع أن المحولين المحددين (360 و400 ميغافولت أمبير المذكورين في البلاغ تحديدًا) هما جزء حرفي من هذا العقد بالذات – فقد يكونان صفقة منفصلة ضمن نفس المنطق الاستثماري طويل الأمد للستاغ.

المصادر المعتمدة:

الادعاء الخامس: “المنصة المركزية للكهرباء في البحر” – خلط في الوظيفة وغياب أي أثر موثق

الادعاء الحرفي (نوفل الورتاني، موزاييك إف إم، 28 جويلية 2026):
“الحاجة الاخرى اللي باش تجي اسمها المنصة المركزية للكهرباء في البحر. محطة تحويل بحرية اسمها… هاذي تعمل كمركز رئيسي لتجميع الطاقة المتجددة المولدة في البحر وتحويلها. يعني تولد الطاقة في البحر وتحولها الى البر.”

الحكم: مضلل تقنيًا وغير قابل للتحقق من حيث الوجود (Trompeur + Non vérifiable)

منهجية التحقق – النقطة المركزية أولاً: خطأ الوظيفة

بصرف النظر عن مسألة وجود هذه المنشأة من عدمه، فإن الوصف الوظيفي الذي قدّمه الورتاني زائف  تقنيًا في جوهره. هو يصف المنصة بأنها “تولّد” الطاقة في البحر، بينما التسمية التي يستخدمها هو نفسه في نفس الجملة (“محطة تحويل بحرية” / Offshore Substation) تناقض هذا الوصف مباشرة:

  • في هندسة الشبكات الكهربائية عالميًا (كما في المنصات الحقيقية الموجودة قبالة سواحل بريطانيا أو تايوان)، التوليد يحدث حصرًا في توربينات الرياح المحيطة بالمنصة، وليس في المنصة نفسها.
  • دور المنصة (Substation) يقتصر على تجميع التيار المُنتَج مسبقًا من هذه التوربينات، ثم تحويل جهده تمهيدًا لنقله إلى اليابسة عبر الكابلات.
  • سعة التوليد الفعلية لأي منصة من هذا النوع، بمعزل عن التوربينات المحيطة بها، هي صفر ميغاواط – تمامًا كما هو الحال مع “البوست موبيل” الذي تناولناه في الادعاء الأول. هذا هو نفس نمط الخلط بين التوليد والتحويل، متكررًا هنا بخصوص منشأة بحرية بدل منشأة أرضية.

وتجدر الإشارة إلى أن الرقم/الترتيب الذي ذكره الورتاني (‘الدولة الخامسة أو السادسة عالميًا’) يفتقر بدوره لأي مصدر أو تصنيف دولي معروف، وهو استنتاج إضافي مبني على افتراض وجود المنصة أصلًا.

والأهم: حتى مع تصحيح هذا الوصف، لا وجود لأي أثر موثق لهذه المنشأة

حتى لو افترضنا أن المتحدث قصد الوظيفة الصحيحة (تجميع وتحويل، لا توليد)، يبقى السؤال الأهم: هل توجد هذه المنصة أصلاً ضمن أي مشروع تونسي حقيقي؟ تحقق فريق فالصو من خمسة مصادر مستقلة ومتطابقة حول المشروع الكهربائي البحري الوحيد الموثق في تونس حاليًا (ELMED): الموقع الرسمي للمشروع، بيان Hitachi Energy الرسمي، تقارير EBRD، الويكيبيديا، ومنظمة TNI. جميعها تصف المشروع بوصف واحد متطابق: كابل كهربائي بحري يربط مباشرة بين محطتين تحويل قائمتين على اليابسة (المعلابي بتونس، بارتانا بصقلية) – دون أي منشأة وسيطة في عرض البحر. كما أن تونس لا تملك حاليًا أي حقل رياح بحري (فحقولها العاملة – سيدي داود، بنزرت – كلها على اليابسة)، وهو ما يجعل فكرة “تجميع طاقة متجددة مولّدة في البحر” غير ذات معنى تقني في السياق التونسي الحالي أصلًا.

الخلاصة: الادعاء يحمل خطأ تقنيًا مزدوجًا – وصف وظيفي خاطئ لمفهوم موجود عالميًا، مطبّق على منشأة لا يوجد أي دليل فني أو رسمي مستقل يؤكد وجودها كمشروع تونسي مستقل عن ELMED.

المصادر المعتمدة:

الادعاء السادس والسابع: تصوير عالمي مغلوط لانتشار تقنية الرياح البحرية العائمة – بين التقليل من العدد واستثناء خاطئ لدولتين

الادعاء الحرفي (نوفل الورتاني، موزاييك إف إم، 28 جويلية 2026):
“هذه تخدم بتقنية طاقة رياح البحر العائمة، تعد من أحدث وأسرع التقنيات نمواً في قطاع الطاقة المتجددة… استخدامها حالياً على 4-5 دول في العالم تقريباً بريطانيا، اسكتلندا، النرويج والصين. تكنولوجيا ضخمة، فرنسا و أمريكا ما زالوا ما بداواش يخدموا فيها.”

الحكم: 

قبل الدخول في التفاصيل، من المهم توضيح أن هذا الادعاء ليس خطأً واحدًا بسيطًا، بل يتركّب من عنصرين منفصلين، لكل منهما حكمه الخاص:

  • العدد الإجمالي للدول المستخدمة لهذه التقنية: قال الورتاني “4-5 دول”، بينما الواقع أن 8 دول على الأقل تتقدم فعليًا في هذا المجال، إضافة إلى البرتغال كدولة تشغيلية. ← مضلل بالتقليل من الحجم الفعلي.
  • استثناء فرنسا وأمريكا تحديدًا بوصفهما “لم تبدآ”: هذا هو الخطأ الأوضح والأخطر في الادعاء، لأن كلا البلدين ضمن الدول الفاعلة فعليًا، وفرنسا تملك مشروعًا تجاريًا عاملًا بالكامل منذ 2025. ← مضلل

منهجية التحقق:

أولًا – العدد الفعلي للدول أكبر مما ذكره الورتاني:
بحسب تقرير Orrick’s Global Offshore Wind Report (فيفري 2026) وورقة بحثية متخصصة في تقنية الرياح البحرية العائمة (FLOW)، فإن مسارات تطوير وتراخيص فعلية لهذه التقنية تتقدم حاليًا في 8 دول على الأقل: بريطانيا، النرويج، فرنسا، الصين، كوريا الجنوبية، الفلبين، أستراليا، والولايات المتحدة. كما تمتلك البرتغال قدرة تشغيلية فعلية مسجلة منذ 2023 (بيانات وزارة الطاقة الأمريكية عبر Statista). أي أن العدد الحقيقي للدول الفاعلة في هذا المجال يفوق “4-5 دول” التي ذكرها الورتاني، وليس بريطانيا والنرويج والصين فقط كما أوحى.

ثانيًا – فرنسا تحديدًا من ضمن هذه الدول، وليست خارجها:

  • مشروع Floatgen (أول توربين رياح بحري عائم في فرنسا، قبالة لوكغوا) رُبط بالشبكة الوطنية بتاريخ 18 سبتمبر 2018.
  • مشروع Provence Grand Large (25 ميغاواط) – أول مشروع رياح بحرية عائمة تجاري في فرنسا وفي كامل البحر الأبيض المتوسط – أنتج أول كهرباء فعلية سنة 2024، واكتمل تشغيله التجاري الكامل سنة 2025.
  • إضافة لذلك، تملك فرنسا حقولاً بحرية ثابتة القاعدة عاملة تضخ كهرباء فعليًا في الشبكة، مثل حقلي سان نازير وفيكامب.

ثالثًا – الولايات المتحدة أيضًا من ضمن هذه الدول:

  • حقلا South Fork Wind (132 ميغاواط، دخل الخدمة الكاملة مارس 2024) وVineyard Wind 1 (أولى الميغاواطات جانفي 2024) يضخان كهرباء فعليًا في الشبكة الأمريكية (تقنية ثابتة القاعدة).
  • كما تتقدم مسارات تراخيص فعلية للتقنية العائمة تحديدًا قبالة سواحل كاليفورنيا وأوريغون، ضمن قائمة الدول الثماني المتقدمة في هذا المجال بحسب التقرير المتخصص المذكور أعلاه.

ماذا يعني هذا عمليًا؟
الادعاء بأن فرنسا وأمريكا “لم تبدآ بعد” في هذه التقنية غير صحيح على مستويين: العدد الإجمالي للدول الفاعلة عالميًا أكبر مما ذكره الورتاني، والدولتان اللتان استثناهما تحديدًا هما فعليًا من ضمن هذه المجموعة – وفرنسا بالذات تملك مشروعًا تجاريًا عائمًا عاملًا بالكامل منذ 2025. هذا التهويل يُقدّم للمستمع ترتيبًا عالميًا مغلوطًا لهذه الصناعة.

المصادر المعتمدة:

الادعاء الثامن: التناقض البصري – استخدام صورة منصة تايوانية كـ”مثال” على المشروع التونسي

الادعاء الحرفي (نوفل الورتاني، تعليقًا على الصورة المعروضة خلال البث المباشر على فيسبوك ويوتيوب):
“توة في اللايف Facebook او YouTube تنجموا تشوفوا المثال متاع اللي بش يتحط في البحر… وهذي اللي من البحر يجيبلنا الكهرباء ونوصلوه، مازال ما نعرفوش وين ولكنه قاعد يتصنع.”

الحكم: مضلل (Trompeur)

منهجية التحقق:
رغم أن الورتاني أوضح أن الصورة المعروضة مجرد “مثال توضيحي” وليست للمنشأة التونسية بعينها، فإن اختيار هذا المثال بالذات كان مضللاً من الناحية الفنية. تحقق فريق فالصو من مصدر الصورة عبر البحث العكسي، فتبيّن أنها تُظهر عملية تركيب محطة تحويل بحرية تابعة لشركة Ørstedالعالمية، ضمن مشروع رياح بحري قبالة سواحل تايوان.

أين تكمن المشكلة في اختيار هذا المثال تحديدًا؟
المنصة الظاهرة في الصورة تعمل ضمن منظومة متكاملة: تجمع الطاقة المنتَجة من عشرات توربينات الرياح البحرية المحيطة بها (وهي تظهر بوضوح في خلفية الصورة)، ثم تحوّلها لنقلها إلى اليابسة – وهذا يطابق تمامًا الوصف الذي قدّمه الورتاني للمشروع التونسي (“تجميع الطاقة المتجددة المولدة في البحر”). المشكلة أن هذا الوصف والصورة المرافقة له ينطبقان على مشروع رياح بحري حقيقي (توليد طاقة من طواحين في عرض البحر)، بينما المشروع التونسي الوحيد الموثق (ELMED) هو كابل عبور ينقل كهرباء جاهزة من إيطاليا عبر البحر، دون أي طواحين رياح بحرية تونسية من الأساس – فتونس لا تملك حاليًا أي حقل رياح بحري (حقولها العاملة كلها على اليابسة: سيدي داود، بيزرت).

ماذا يعني هذا عمليًا؟
عرض صورة منصة تايوانية تجمع طاقة رياح بحرية حقيقية، كـ”مثال” على مشروع تونسي هو في جوهره كابل ربط قاري، يعزّز لدى المشاهدين انطباعًا بصريًا خاطئًا مفاده أن تونس ستُنتج كهرباء من الرياح البحرية قريبًا – وهو ما يكرّر، بصورة مرئية هذه المرة، نفس الخطأ الوارد في الادعاء الخامس (الخلط بين التوليد والتحويل، وغياب أي أثر موثق للمنشأة أصلًا).

المصادر المعتمدة:

  • نتائج البحث العكسي عن مصدر الصورة (منصة Ørsted، مشروع رياح بحري، تايوان)

الادعاء التاسع والعاشر: أرقام وتفاصيل جانبية غير مسنودة أو تُناقضها الوقائع

الادعاء الحرفي الأول: “كان صار هذا في شهر فيفري راهو تقريبا 70% من الانقطاعات ما صارتش.”

الحكم: غير قابل للتحقق (Non vérifiable) – تصريح افتراضي إحصائي بلا مصدر أو منهجية محتسبة
لم يستند الورتاني لأي دراسة أو نموذج فني يوضح كيف احتُسبت هذه النسبة، ولا وجد فريق فالصو أي تقرير من الستاغ أو الوزارة يقدّم تقديرًا مماثلاً. الرقم مطروح كتخمين شخصي مقدَّم بثقة الحقيقة العلمية.

الادعاء الحرفي الثاني: “والستاغ عندها اسم في العالم، معناتها ينجموا يبعثولهم [المعدات] قبل ما يوصل الخلاص (الدفع)… أوفياء ويخلصوا.”

الحكم: زائف

منهجية التحقق:
تحقق فريق فالصو من الوضعية المالية الفعلية للستاغ خلال نفس الفترة، فوجد معطيات رسمية حديثة تناقض صورة “الثقة العالمية” التي رسمها الورتاني:

  • ديون إجمالية للستاغ تجاوزت 7.3 مليار دينار، منها 6 مليارات دينار مستحقات غير محصَّلة، بحسب تصريح ممثلي الشركة نفسها بتاريخ 23 جوان 2026.
  • 3.5 مليار دينار مستحقات غير مسددة تحديدًا لدى المؤسسات العمومية، بحسب تصريح رئيس لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب، بتاريخ 25 جويلية 2026 – أي قبل مداخلة الورتاني بثلاثة أيام فقط.
  • الشركة تعمل أصلًا بعجز هيكلي مزمن (تبيع الكهرباء بسعر أقل من كلفة إنتاجها)، وهو ما دفع الدولة لإبرام “عقد برنامج” إصلاحي معها للفترة 2024-2028 لاستعادة توازناتها المالية.

ماذا يعني هذا عمليًا؟
تصوير الستاغ كمؤسسة تتمتع بثقة عالمية تسمح للموردين بشحن معدات ثقيلة دون ضمانات دفع مسبقة، بينما التقارير الرسمية والبرلمانية المتزامنة تصف أزمة مديونية حادة ومتفاقمة، يمنح المستمع انطباعًا مطمئنًا يتعارض مع الوضع المالي الموثق للمؤسسة.

المصادر المعتمدة:

الخلاصة

بعد تفكيك الادعاءات الواردة في مداخلة نوفل الورتاني، يتضح أن المشكلة لم تكن في اختلاق وقائع من العدم، بل في طريقة تقديم معلومات جزئية حقيقية. الورتاني انطلق من معطيات موجودة فعلاً (محولات قيد التركيب، مشروع ELMED الحقيقي، بلاغ مجلس الإقليم الثاني)، لكنه أعاد تأطيرها بطريقة تُضخّم حجم الحل وسرعته وطبيعته.

برزت في المداخلة عدة آليات متكررة ساهمت في خلق هذا الانطباع المضلل:

  • الخلط بين محطة إنتاج ومحطة تحويل (سواء في «السونترال الصغيرة» أو في «المنصة البحرية»).
  • الخلط بين وحدتي القياس (الكيلو فولت والميغافولت أمبير).
  • الربط الزمني غير الدقيق بين وصول المعدات وأزمة الانقطاعات، رغم أن مسار تعزيز الشبكة يعود إلى سنوات سابقة.
  • تحويل عملية فنية روتينية إلى سردية «إنقاذ محطة متوقفة بالكامل».
  • استخدام صورة لمنصة رياح بحرية أجنبية كـ«مثال» على مشروع تونسي مختلف تماماً في وظيفته.
  • تصوير الستاغ كمؤسسة تتمتع بثقة عالمية تسمح بشحن معدات دون ضمانات دفع، في وقت كانت التقارير الرسمية تتحدث عن مديونية حادة.

هذه الآليات مجتمعة أنتجت صورة مضلِّلة عن حجم الحلول المتاحة وسرعة تنفيذها.

الفارق الأساسي الذي حاول هذا التدقيق إبرازه ليس بين «كذب مطلق» و«صدق مطلق»، بل بين معلومة دقيقة ومسنودة من جهة، ومعلومة صحيحة جزئياً قُدّمت بطريقة تخلق انطباعاً خاطئاً لدى المتلقي. في سياق أزمة كهرباء حقيقية وموجة غضب شعبي، هذا النوع من التقديم الإعلامي لا يساعد المواطن على فهم حجم الحلول الفعلية، ولا على التمييز بين ما هو استجابة عاجلة وما هو مسار استثماري طويل الأمد بدأ منذ سنوات.

التعليقات معطلة.