
إنتشر اليوم، 14 أوت 2025، فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يزعم أن رئيس الجمهورية، قيس سعيد، أصدر قرارًا بحل الإتحاد العام التونسي للشغل، مستندًا إلى اجتماع له مع رئيسة الحكومة، سارة الزعفراني الزنزري. ورغم أن الفيديو يبدو جليًا كمحتوى مفبرك، أظهر تحليل التعليقات والبحث المعمق حول أثره أن هناك عددًا من المتابعين صدقوا ما جاء فيه. وقد شهد الفيديو انتشارًا واسعًا، إذ تجاوزت مشاهداته المليون خلال أقل من 24 ساعة من تاريخ نشره.
من هذا المنطلق، ارتأينا تقديم تحليل تحقيقي شامل، يوضح الخطوات التي توضح زيف هذا الفيديو، ويسلط الضوء على كيفية التمييز بين المحتوى الحقيقي والمفبرك في وسائل التواصل الاجتماعي.
من أين جاء الفيديو؟ تتبع الانتشار والإشارات التقنية
أول ظهور للفيديو كان يوم 13 أوت 2025 على الساعة 23:36 على حساب تيك توك @amirjamal_2 بعنوان “الجزء الثاني من خطاب الرئيس”. وحتى الساعة الثامنة من يوم 14 أوت، حقق الفيديو أكثر من 350,000 مشاهدة على هذا الحساب فقط، دون احتساب إعادة المشاركة على منصات أخرى مثل فيسبوك، والتي وصلت إلى حدود المليون مشاهدة.
يُلاحظ على الفيديو وجود علامة “AI generated” وموقع “باريس” في الوصف، مما يشير إلى أن المحتوى تم إنشاؤه باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. وفقًا لتفسير TikTok، هذه العلامة تُوضع على الفيديوهات التي تم توليدها أو تعديلها جزئيًا أو كليًا بواسطة أدوات الذكاء الاصطناعي، بهدف تنبيه المستخدمين إلى أن المشهد أو الكلام المعروض قد لا يكون حقيقيًا بالكامل، وتشجع المنصة على التدقيق والتحقق قبل نشر أو مشاركة مثل هذا المحتوى.

الفيديو المفبرك مقابل الأصلي: تطابق مثير للانتباه
قام فريق منصة فالصو بالتدقيق والبحث ليتبين أن الفيديو المفبرك يستند إلى لقاء حقيقي بين رئيس الجمهورية قيس سعيّد والسيدة سارة الزعفراني الزنزري، رئيسة الحكومة، نُشر على الصفحة الرسمية للرئاسة التونسية على فيسبوك بتاريخ 9 أوت 2025. يبلغ طول الفيديو الأصلي 14:02 دقيقة، وعند مراجعته بالكامل لم يُلاحظ أي تطابق مباشر في محتوى الحوار، مما يؤكد أن الفيديو المتداول هو نسخة مفبركة تم تعديلها وإعادة إنتاجها.
لإثبات ذلك، أنشأ الفريق فيديو مقارنة يسلط الضوء على التطابق الدقيق بين الفيديو الأصلي والمفبرك في عدة عناصر بصرية:
- لباس رئيسة الحكومة: مطابق تمامًا بين الفيديو الأصلي والمفبرك، ما يدل على استخدام المادة الأصلية كمصدر للفبركة.
- حركات الرأس: تطابق كامل في إيماءات وتحركات رأس الرئيس.
- حركات الذراع: تطابق ملحوظ في حركة ذراع الرئيس أثناء حديثه.
- وميض العينين: تزامن دقيق في وميض عيني رئيسة الحكومة بين الفيديوين.
- التفاصيل البصرية: في الفيديو المفبرك يظهر وجه رئيسة الحكومة واضح المعالم، في حين يبدو وجه قيس سعيّد ضبابيًا، وحركة شفاهه غريبة وغير متطابقة مع ما يُقال.
- إيماءات الوجه والتعبيرات الدقيقة: تطابق ملحوظ في تعابير الوجه وحركات الجسم، كما يظهر في الفيديو التحليلي.


تشير هذه الملاحظات إلى أن الفيديو المفبرك اعتمد على تقنيات متقدمة لمحاكاة الفيديو الأصلي بدقة عالية، بالإضافة إلى إعادة تركيب الصوت باستخدام الذكاء الاصطناعي. من الناحية التقنية، استخدمت عملية الفبركة نماذج تحويل الصوت (Voice Cloning) مدرّبة على تسجيلات صوتية سابقة للرئيس، ما أتاح إنتاج خطاب يبدو وكأنه صادر عنه بشكل طبيعي، مع الحفاظ على التزامن بين حركة الشفاه والإيماءات. هذه التقنية تمكن من إعادة إنتاج نبرة الصوت، سرعة الكلام، وتوقيت التنفس بطريقة مقنعة جدًا للمشاهد، مما يزيد من قدرة الفيديو على خداع الجمهور.
الفيديو المفبرك: خطاب سياسي مزيف وادعاءات لا أساس لها
محتوى الفيديو المزيف يدّعي أن رئيس الجمهورية قيس سعيّد أعلن عن حل الاتحاد العام التونسي للشغل ووجّه اتهامات بالفساد والإسراف المالي. هذا الادعاء غير صحيح إطلاقًا، ولم يُصرح به الرئيس أو أي مصدر رسمي موثوق. فريق منصة فالصو تواصل مع الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي نفى صحة هذا الادعاء بشكل قاطع، مؤكّدًا عدم صدور أي إعلان أو قرار من هذا النوع.
وفي تصريح لمنصة فالصو، أكد الصحفي بجريدة الشعب التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل،صبري الزغيدي، أن الفيديو المتداول مفبرك باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى أن المحتوى المرفق بالفيديو، الذي يزعم حل الاتحاد أو توجيه اتهامات مالية، لا أساس له من الصحة. وأضاف الزغيدي أن الاتحاد يخضع لقوانينه الداخلية وللقوانين الوطنية، وأن رئيس الدولة أو أي جهة خارجية لا تملك أي صلاحية لحل المنظمة، مؤكدًا أن أي إجراء من هذا النوع يتطلب التزامًا بالإجراءات القانونية المحددة. وأوضح أن نشر الفيديو قد يهدف إلى الضغط على الحقوق النقابية أو التأثير على الرأي العام، خاصة في ظل الوضع الاقتصادي الصعب وارتفاع الأسعار وتأثر القدرة الشرائية للعمال والأجراء في القطاعين العام والخاص.

يُظهر تحليل منصة فالصو أن الفيديو لم يكن مجرد محتوى مفبرك عابر، بل جزء من حملة منسقة تستهدف تشويه صورة الاتحاد العام التونسي للشغل. ورغم وضوح أن الفيديو مزيف، إلا أن عدداً من المتابعين صدقوا ما جاء فيه، ما يعكس حجم التأثير الذي يمكن أن يحدثه المحتوى المزيف على الرأي العام. ويبرز هذا الوضع المخاطر الكبيرة التي يواجهها الجمهور أمام المعلومات المضللة على وسائل التواصل الاجتماعي، ويؤكد على أهمية التحقق الدقيق قبل إعادة نشر أو مشاركة أي فيديو أو تصريح، خاصة في ظل السياق الاقتصادي والسياسي الحساس.





المصادر:
- الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية التونسية على فيسبوك – فيديو لقاء قيس سعيّد مع سارة الزعفراني، 9 أوت 2025. [رابط الفيديو: https://www.facebook.com/Presidence.tn/posts/pfbid02V4QYbU8v36wg1ikaxyMUtHJnF8fLyvnn8BcW8j2sDEUFnYojdwxwmaGTjHd9tXDsl]
- حساب TikTok @amirjamal_2 – الفيديو المفبرك بعنوان “الجزء الثاني من خطاب الرئيس”، 13 أوت 2025. [https://www.tiktok.com/@amirjamal_2/video/7538233646696631574?_r=1&_t=ZM-8ysKvau3z8i]