نشرت الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية، في 13 أوت الفارط، فيديو للزيارة الرسمية للرئيس قيس سعيد إلى سجنان، ظهر فيها مواطن اتّهم رجلَ الأعمال المحبوس محمد خيام التركي بأنه تحيّل عليه واستحوذ على أرضٍ يملكها تقدر —حسب أقواله— بـ450 هكتارًا في منطقة «هنشير البطاطا». سارع مقطع الفيديو الرسمي إلى الانتشار على منصات التواصل، فاتخذته بعض الحسابات تجسيدًا لمعاناة “صغير الفلاح” أمام نفوذ المال، فيما استنكرت أصواتٌ أخرى واقعيّة الادّعاء لأسباب تتصل بحجم المساحة والوثائق المتاحة. فريق منصة فالصو قام بالبحث في الملفات القانونية ومراجعة الوثائق القضائية والعقارية المرتبطة بالملف وبعد استشارة محامي المعني بالأمر محمد خيام التركي القابع بالسجن منذ شهر فيفري 2023 والحصول على تصريحاته حول الموضوع، وبعد محاولة الاتصال بالمواطن المعني بالأمر اتضح أن الادعاء مضلّل: الوثائق الرسمية تشير إلى أن البيع جرى بحجة عدلية وصدرت بشأنه إجراءات صلح وتحويز وتنفيذ ميداني، في حين أن النزاع الحالي يتركّز على مسائل حيازة ومشاغبة لاحقة، لا على تحويلٍ احتيالي واضح بمساحة 450 هكتارًا لا سند له.
بمناسبة الإحتفال بعيد المرأة و الذّكري التّاسعة و السّتين لصدور مجلة الأحوال الشخصيّة تحوّل رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد إلى معتمديّة سجنان من ولاية بنزرت
Posted by Présidence Tunisie رئاسة الجمهورية التونسية on Wednesday, August 13, 2025
من فيديو الرئاسة إلى الأدلة: منهجية التحقق وتأكيد الهوية
للتحقق من هوية المواطن في الفيديو المنشور على الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية، اعتمدت منصة «فالصو» منهجية متعددة الطبقات تجمع بين الأدلة البصرية والشهادات والوثائق:
استخراج لقطات من الفيديو: تم أخذ لقطات عالية الدقة من الفيديو الرسمي مع الاعتماد على الإطار الزمني والمكاني الظاهر.
جمع صور عامة: حصل الفريق على صورة من حساب شخصي عام على فايسبوك للشخص المعني للمقارنة.
مطابقة بصرية وتقنية: أُجريت مقارنة دقيقة بين الفيديو وصور الملف العام باستخدام أدوات مساعدة، وأظهرت تطابقًا عاليًا.
استقصاء شهود عيان: تواصلنا مع شهود حضروا الزيارة يسكنون المنطقة، وحصلنا على إفادات تؤكد أنّ الشخص الذي ظهر على المنصة هو نفسه الذي يعرفونه محليًا، ما عزّز مصداقية التطابق البصري.
مطابقة مع دلائل وثائقية: رُبط التحقق البصري بمحاضر قانونية وبيانات عقارية تشير إلى نفس الموقع والأطراف، مما زاد الثقة في النتيجة.
بالاعتماد على الأدلة البصرية، شهادات الشهود، والوثائق القانونية، أكد فريق منصة «فالصو» أن الشخص المتدخل في الفيديو هو السيد النوري بن الجيلاني بن مختار العباسي بدرجة ثقة عالية. ننوّه إلى أننا حاولنا الإتصال ومنح المعني فرصة الرد قبل النشر إلا أننا جوبهنا بالصمت، وأن كل مواد التحقيق (لقطات الشاشة والوثائق المرفقة) موثّقة ويمكن الاطلاع عليها في ملحق التحقيق
من الادّعاء إلى الوثيقة الأصلية: ماذا تقول عقود البيع؟
تحصل فريقنا على الوثائق القانونية والعقارية منها:
- عقد بيع لدى عدل اشهاد بتاريخ 02/02/2010: بيع رسمي لعقار فلاحي (هنشير البطاطة – سجنان – بنزرت) من طرف مجموعة ورثة، منهم السيد النوري العباسي، إلى المشتري محمد خيام التركي، مقابل مبلغ 219.375,000 د، متضمّن الحدود والتزامات التحويز والتسجيل.
- حكم المحكمة الابتدائية بتونس بتاريخ 30/11/2011 بخصوص طعن في بيع حجة عدلية مؤرخة 02/02/2010.
- محضر صلح واتفاق لدى عدل إشهاد بتاريخ 29/09/2012 صلح نهائي بين مجموعة من البائعين ووكيل المشتري، موثّق على عين المكان.
- محضر معاينة عدل منفّذ (تنفيذ الصلح) بتاريخ 29/09/2012 يوثّق تمكين المشتري محمد خيام التركي وتحويزه على القطعة وبيان حدودها ووصفها الميداني.
- حكم محكمة ناحية ماطر (قضية حوزية) بتاريخ 08/06/2023 في دعوى كفّ الشغب تتضمن نتائج بحث حوزي وتقرير خبير وتثبيت حيازة المدّعي.
هذه الوثائق تشكل سلسلة مترابطة توضّح كيف تمّت عمليات البيع والتحويز، وكيف تطور النزاع لاحقًا من طعون قضائية إلى إجراءات صلح ثم إلى قضايا تتعلق بالحيازة. لفهم هذه النزاعات، لا بدّ من العودة إلى طبيعة هنشير البطاطا ذاته وهو عقار فلاحي ذو صبغة غابية يقع في منطقة سيدي المشرق (عمادة أمادن – معتمدية سجنان، بولاية بنزرت)، ويمتد بين الملك العمومي البحري شمالًا وسد الزياتين جنوبًا. منذ خمسينات القرن الماضي، انقسم الهنشير إلى قسمين: غربي استقر فيه عرف العبادلية، وشرقي ظل في حوزة أولاد بلحسن في جزء، وعرف الخضايرية في الجزء الجنوبي، بموجب حجج عدلية قديمة.
هذا القسم الشرقي الذي تبلغ مساحته اليوم حوالي 450 هكتارًا، هو في معظمه أرض غابية مصنفة كمنطقة تحجير، مع ما لا يقل عن 120 هكتارًا مصنفة كمنطقة حماية للكثبان الرملية تشرف عليها إدارة الغابات وأي نشاط فيه يتطلب ترخيصًا خاصًا، وهو ما يفسر التعقيدات القانونية المرتبطة باستغلاله.
في سنة 2010، ومع ابتلاع سد الزياتين لأغلب الأراضي الزراعية الخصبة التي كان الملاك يستغلونها، تم تعويضهم من قبل الدولة التونسية بأراضٍ أخرى قريبة من سجنان. في هذا السياق اتفقت غالبية المالكين على الشياع لهذا القسم، وعددهم يقارب 150 شخصًا، على بيع مناباتهم لفائدة محمد خيام التركي. لم يكن البيع صفقة واحدة، بل جرى عبر 37 عقدًا موثقًا لدى عدول إشهاد. من بين الوثائق عقد بيع مؤرخ في 2 فيفري 2010، وهو المحطة المركزية في كامل الملف لأنه يشمل اسم النوري بن الجيلاني بن المختار العباسي، نفس الشخص الذي ظهر لاحقًا أمام الرئيس سعيّد مدعيًا التعرّض لعملية تحيّل. بموجب هذا العقد، باع النوري رفقة 20 شخصًا آخر من دوار الخضايرية جميع مناباتهم الإرثية والمنجرّة لهم بالحوز والتصرف في القسم الشرقي من هنشير البطاطا، وذلك بحدود معلومة ومحددة بنص العقد. بلغ الثمن الجملي حوالي 220 ألف دينار دُفع نقدًا، وقبضه البائعون وتقاسموه كلّ حسب نصيبه الشرعي، مع التزامهم بتحويز المشتري وتوفير الوثائق اللازمة لإتمام التسجيل.

بعد الثورة: محاولة الطعن في البيع
لم تمض سوى أشهر قليلة بعد الثورة حتى عاد الملف إلى الواجهة، إذ ارتأى النوري بن الجيلاني العباسي وعدد من أقاربه الذين كانوا من بين البائعين في عقد 02 فيفري 2010 (عقد واحد من أصل عشرات العقود التي وقّعها المالك الجديد محمد خيام التركي مع قرابة 150 شخصًا من ورثة ومتصرفين على الشياع), أن يرفعوا دعوى إبطال البيع أمام المحكمة الابتدائية بتونس، زاعمين أن الثمن الذي بيع به العقار لا يتناسب مع قيمته الحقيقية. الدعوى تمحورت حول فكرة أنّ 219.375 ألف دينار، وهو الثمن الجملي المذكور بالعقد، لا يعكس القيمة السوقية لقطعة أرض بمساحة تقدَّر بمئات الهكتارات. غير أن المحكمة، وبعد دراسة الملف والاستماع لمرافعات الطرفين، قضت بتاريخ 30 نوفمبر 2011 بعدم سماع الدعوى، معتبرة أن الادعاءات لم تقم على أساس قانوني وأن العقد صحيح من حيث الشكل والمضمون. كما حمّلت المدّعين المصاريف القانونية.


إثر هذا الحكم الذي عزّز موقف المشتري محمد خيام التركي، سعى الطرفان إلى تفادي مزيد من النزاعات، فتم اللجوء إلى خيار الصلح. وفي 29 سبتمبر 2012 وُقع اتفاق صلح رسمي بين المالكين القدامى ووكيل المشتري، بحضور عدلي إشهاد، حيث أعلن النوري العباسي ومن معه تنازلهم عن دعاويهم السابقة، وتعهدوا بتمكين المشتري من كامل المنابات التي باعوها له والكف عن مشاغبته. في المقابل، تنازل خيام التركي عن حقه في مقاضاتهم على ما سبّبوه من تتبعات وأضرار ومصاريف تقاضٍ.

ولتنفيذ هذا الصلح عمليًا، تم تحرير محضر معاينة في نفس اليوم من قبل عدل منفذ، يوثّق عملية تحويز المشتري ميدانيًا بالأرض. المحضر لم يكن مجرّد وثيقة شكلية بل تضمّن وصفًا تفصيليًا للقطعة موضوع النزاع. فقد عاين عدل التنفيذ الأرض بحضور البائعين أنفسهم (ومن بينهم النوري العباسي شخصيًا) وأثبت أنّ المساحة موضوع التحويز ذات شكل دائري تقريبًا، قطرها يقارب 1.4 كيلومتر، أي ما يعادل نحو 1.5 كيلومتر مربع، وهو ما يُقدّر بحوالي 150 هكتار فقط. كما ورد في المحضر تحديدٌ للحدود العامة للقطعة، مع التنصيص على وجود محلات سكنية وأراضٍ محترثة كانت على ملك البائعين قبل البيع. بتوقيعهم على هذا المحضر، لم يكتفِ البائعون بالاعتراف بالعقد، بل تولّوا عمليًا تبيان الأرض للمشتري وتمكينه منها، وهو ما يُثبّت قانونيًا انتقال الحيازة إليه. بذلك أُغلق فصل النزاع في تلك المرحلة بترتيب قانوني ورضائي، بعد أن جرى شدّ وجذب في أروقة المحاكم ثم انتهى الأمر بالتراضي وتوثيق التنفيذ ميدانيًا.

المسار الزمني للأحداث

نزاع يتجدد: قضية كفّ الشغب
لكن رغم هذا الصلح الذي وثّقته محاضر رسمية بحضور عدل إشهاد وعدل تنفيذ، لم ينتهِ الجدل. فبعد سنوات من الهدوء النسبي، عادت التوتّرات إلى السطح، حيث بدأ بعض الأطراف من نفس مجموعة البائعين (ومنهم النوري العباسي) بمحاولات “مشاغبة” وعرقلة استغلال الأرض. هذه التحركات دفعت محمد خيام التركي في أكتوبر 2020 إلى رفع دعوى أمام محكمة ناحية ماطر طالبًا فيها كفّ الشغب وإثبات حيازته للعقار الذي كان قد اشتراه.
استمعت المحكمة إلى شهود الطرفين، واطلعت على العقود السابقة ومحاضر التحويز، وكلفت خبيرًا عقاريًا بمعاينة الموقع. في تقريره المؤرخ في 14 جانفي 2022، ثبّت الخبير الحدود والمعطيات وأكد أن العقار موضوع النزاع كان في حوزة التركي منذ عملية الشراء والتنفيذ. في 8 جوان 2023، قضت المحكمة لصالح المدعي، معتبرة أنّ بينته أقوى وأوضح، وألزمت المدعى عليهم بكفّ الشغب وترك المشتري في حيازته المشروعة، مع تحميلهم المصاريف.
من 37 عقد بيع إلى حكم نهائي
هذه الأحكام والمحاضر تكشف خطًا متواصلًا من الوثائق الرسمية يمتد منذ 2010 إلى 2023: بيع بحجة عدلية، طعن قضائي ثم رفضه، صلح رضائي موثق، تنفيذ ميداني للتحويز، وأخيرًا حكم قضائي يؤكد الحيازة. وهي سلسلة لا تترك مجالًا لتصوير الأمر كما لو أن محمد خيام التركي “تحيل” على أرض 450 هكتار نُزعت من شخص واحد. فالعقد الأصلي يثبت أن البيع تم من عشرات المالكين على الشياع، من بينهم النوري العباسي نفسه الذي قبض نصيبه من الثمن، والوثائق اللاحقة تؤكد أنّ النزاع تحول إلى مسألة مشاغبة وحيازة، لا إلى عملية استيلاء غير قانونية.
